الشيخ محمد رشيد رضا

171

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تعالى أظهر مما قالوه من أنه المبالغة في اشتراط التعليم . وإذا كانت الجملة استئنافا فنكتتها تذكير الناس بفضل اللّه عليهم بهدايتهم إلى مثل هذا التعليم ، على سنة القرآن في مزج الاحكام بما يغذي التوحيد وينمي الاعتراف بفضل اللّه وشكر نعمه . وغاية تعليم الجارح ان يتبع الصيد بإغراء معلمه أو الصائد به ويجيب دعوته وينزجر بزجره ويمسك الصيد عليه . والمعنى أحل لكم أكل الطيبات كلها وصيد ما علمتم من الجوارح بشرطه . أما الطيبات فظاهر الحصر في آيتي الانعام والنحل ان كل ما عدا المنصوص من المحرمات طيب فهو حلال ، ولولاه لكان الظاهر أن يقال إن من الطعام ما هو خبيث محرم بنص الكتاب وهو ما ذكر في الآية السابقة ، ومنه ما هو طيب حل بنص الكتاب كبهيمة الانعام وصيد البر والبحر أي ما شأنه ان يصاد منهما . فاما البحر فكل حيوانه يصاد ، واما البر فإنما يصاد منه للاكل في العادة والعرف الغالب ما عدا سباع الوحش والطير ، فتكون هذه السباع حراما ، وهو ظاهر حديث ابن عباس « نهى رسول اللّه ( ص ) عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير » وحديث أبي ثعلبة الخشني « كل ذي ناب من السباع فأكله حرام » رواهما أحمد ومسلم وأصحاب السنن ما عدا الترمذي في الأول وأبا داود في الثاني . ومن أخذ بالحصر في الآيتين جعل النهي عما ذكر نهي كراهة وهو المشهور من مذهب مالك كما قال ابن العربي ، وقال ابن رسلان مشهور مذهبه على إباحة ذلك . وهو لا ينافي كراهة التنزيه ، وكأنه يرى أن حديث أبي ثعلبة مروي بالمعنى ان كان قد بلغه ، والسبع عند الشافعي ما يعدو على الناس والحيوان فيخرج الضبع والثعلب لأنهما لا يعدو ان على الناس ، وعند أبي حنيفة كل ما أكل اللحم قالوا فيدخل فيه الضبع والضب والنهر ، واليربوع والفيل ( ؟ ) على أن النبي ( ص ) قد أجاز أكل الضب كما في حديث خالد بن الوليد وحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما ، وأحاديث أخرى ، وصرح بأنه يعافه لأنه لم يكن في أرض قومه ، وأجاز أكل الضبع ، رواه أحمد والشافعي وأصحاب السنن وغيرهم وصححه الترمذي وغيره . وهو يدل لما ذكرناه من أخذ تحريم السباع من مفهوم الصيد ، ونصه عن عبد الرحمن